علي بن مهدي الطبري المامطيري
305
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
وقد أجروا إلى عند تلك الصنوبرة ماء ، فنبتت الحبّة وصارت شجرة عظيمة ، وحرّموا ماء العين فلا يشربوا منها ولا أنعامهم ، فمن فعل ذلك قتلوه ويقولون : هذا الماء حياة إلهنا ، وقد جعلوا في كلّ شهر من السنة في كلّ قرية منها عيدا ليجتمع إليها ، فيضربون على الشجرة التي لها كلة من حرير فيها من أنواع الصور « 1 » ، ثمّ يأتون بشاة وبقرة فيذبحونهما « 2 » قربانا للشجرة ، ويشعلون فيها النار بالحطب ، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وغبارها وحال بينهم وبين النظر إلى السماء ، خرّوا للشجرة سجّدا من دون اللّه ، فيبكون ويتضرّعون إليها أن يرضى عنهم ، وكان يجيء فيحرّك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبيّ : أنّي قد رضيت عنكم عبادي ، فطيبوا نفسا وقرّوا عينا ، فيرفعون رؤوسهم عند ذلك ، ويشربون الخمور ، ويضربون بالمعازف ، ويأخذون في الدستبند ، [ ف ] يكونون على ذلك يومهم وليلتهم ثمّ ينصرفون . وإنّما سمّت العجم شهورها ب « آبان ماه وآذر ماه » اشتقاقا من أسماء القرى ، فإذا كان عيد القرية العظمى اجتمع إليها صغيرهم وكبيرهم ، فضربوا على الصنوبرة سرادق من ديباج عليها من أنواع الصور ، له اثنا عشر بابا ، كلّ باب لأهل قرية منه ، يسجدون للصنوبرة ، ويقرّبون لها الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة التي في قراهم ، فيجيء لعنه اللّه عند ذلك فيحرّك الصنوبرة تحريكا شديدا ، ويتكلّم في جوفها كلاما جهوريا ، ويعدهم ويمنّيهم بأكثر ما وعدتهم ومنّتهم الشياطين كلّها ، فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يعد ، فيكونون على ذلك اثني عشر [ يوما ولياليها ] بعدد أعيادهم في سائر السنة ، ثمّ ينصرفون . فلمّا طال كفرهم باللّه وعبادتهم غيره ، بعث اللّه إليهم نبيّا من بني إسرائيل ، من ولد يهودا بن يعقوب ، فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة اللّه سبحانه ومعرفة
--> ( 1 ) . في النسخة : « الموز » . ( 2 ) . في النسخة : « فيذبحوها » وفي العلل والعيون : بشاة وبقر فيذبحونها . .